العيني

119

عمدة القاري

العظمة في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم هو الملك رب السماوات ورب الأرض ورب العالمين ، وله النور في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ، مرة واحدة ، ثم قال : اللهم اجعل ثوابها لوالدي لم يبق لوالديه حق إلاَّ أداه إليهما ) . وقال النووي : المشهور من مذهب الشافعي وجماعة : أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت ، والأخبار المذكورة حجة عليهم ، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه ، لقوله تعالى : * ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ) * ( الحشر : 59 ) وغير ذلك من الآيات ، وبالأحاديث المشهورة منها : قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) ، ومنها قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لحينا وميتنا ) ، وغير ذلك . فان قلت : هل يبلغ ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق ؟ قلت : روى أبو بكر النجار في كتاب ( السنن ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن العاص بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة ، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين ، أفيجزىء عنه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه أو أعتقت عنه بلغه ذلك ) . وروى الدارقطني : ( قال رجل : يا رسول الله كيف أبر أبوي بعد موتهما ؟ فقال : إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صيامك ، وأن تصدق عنهما مع صدقتك ) . وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين بن الفراء ، عن أنس ، رضي الله تعالى عنه : ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إذا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم ؟ قال : نعم ، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه ) . وعن سعد : ( أنه قال : يا رسول الله إن أبي مات ، أفاعتق عنه ؟ قال : نعم ) . وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين : ( أن الحسن والحسين ، رضي الله عنهما ، كانا يعتقان عن علي ، رضي الله تعالى عنه ) . وفي ( الصحيح ) ( قال رجل : يا رسول الله إن أمي توفيت ، أينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال : نعم ) . فان قلت : قال الله تعالى * ( وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى ) * ( النجم : 39 ) وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت ؟ قلت : اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال : أحدهما : إنها منسوخة بقوله تعالى : * ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) * ( الطور : 21 ) أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناي ، قاله ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . الثاني : إنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى ، عليهما السلام ، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا ، وما سعى لهم غيرهم ، قاله عكرمة . الثالث : المراد بالإنسان ههنا الكافر ، قاله الربيع بن أنس . الرابع : ليس للإنسان إلاَّ ما سعى من طريق العدل ، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيد الله تعالى ما شاء ، قاله الحسين بن فضل . الخامس : إن معنى : ما سعى : ما نوى ، قاله أبو بكر الوراق . السادس : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء ، ذكره الثعلبي . السابع إن : اللام ، في : الإنسان ، بمعنى : على ، تقديره : ليس على الإنسان إلاَّ ما سعى . الثامن : إنه ليس له إلاَّ سعيه ، غير أن الأسباب مختلفة فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه ، وتارة يكون سعيه في تحصيل سببه ، مثل سعيه في تحصيل قراءة ولد يترحم عليه ، وصديق يستغفر له ، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين ، فيكون ذلك سبباً حصل بسعيه ، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزغواني . الرابع : فيه وجوب الاستنجاء إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول ، فلا يجعل بينه وبينه حجاباً من ماء أو حجر ، ويبعد أن يكون المراد : الاستتار عن الأعين . وقال ابن بطال معناه : ولا يستتر جسده ولا ثوبه من مماسة البول ، ولما عذب على استخفافه بغسله ، وبالتحرز عنه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب . وقال البغوي : فيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس عند القضاء . قلت : هذا رد على من قال : ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين ، ولكن كلاهما واجب على ما لا يخفى ، والتحقيق في هذا الكلام أن معنى رواية الاستتار إذا حمل على حقيقته يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة ، وفي الحديث ما يدل على أن للبول خصوصية في عذاب القبر يدل عليه ما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، مرفوعاً : ( أكثر عذاب القبر من البول ) ، فإذا كان كذلك تعين أن يكون معنى الاستتار على الوجه الذي ذكرناه ، لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف ، ويؤيد ذلك رواية أبي بكرة عند أحمد ، وابن ماجة : ( أما أحدهما فيعذب في البول ) . ومثله عند الطبراني عن أنس ، وكلمة : في ، للتعليل أي : يعذب أحدهما بسبب البول . الخامس : فيه حرمة النميمة ، وهذا بالإجماع ، وقد مر الكلام فيه عن قريب .